وَسائِلُ التَّواصُلِ... سَيْلُ الانْهِيارِ المُتَواصِلِ
وَسائِلُ التَّواصُلِ... سَيْلُ الانْهِيارِ المُتَواصِلِ
بقلم :احمد يوسف
تَحْضُرُني الآنَ، وأنا أكتُبُ هذِهِ الكَلِماتِ، واقِعَةٌ مِن أواخِرِ ثَمانينِيّاتِ القَرْنِ الماضِي، وأنا أَقِفُ أمامَ والِدي – رَحِمَهُ اللهُ – ناظِرًا إلى الأَرْضِ مِنَ الخَجَلِ، وهو يُعاتِبُني بشيءٍ مِنَ التَّوبيخِ على ارْتِفاعِ أَصْواتِنا، أنا وزُمَلائي، ونحنُ نَلْعَبُ الكُرَةَ في الشّارِعِ، وهو يَشْرَحُ لي حَقَّ الجارِ وحَقَّ الطَّريقِ.
أَتَذَكَّرُ هذِهِ الواقِعَةَ وكَأَنَّها حَدَثَتْ بالأَمْسِ، وأَقِفُ عِنْدَها مُتَعَجِّبًا، وإنْ صَدَقْتُكُمُ القَوْلَ، باكِيًا، وأنا أَتَساءَلُ: ماذا نَفْعَلُ في أَوْلادِنا اليَوْمَ؟ أَوْ، بالأَحْرَى، لِماذا تَرَكْناهُمْ لُقْمَةً سائِغَةً لِشاشاتٍ ومَواقِعَ مَعْرُوفَةٍ أو غَيْرِ مَعْرُوفَةِ المَصْدَرِ، مَجْهُولَةِ الهُوِيَّةِ والهَدَفِ، تُرَبِّيهِمْ، وتُطْلِعُهُمْ على أَسْوَإِ مِمَّا كُنَّا نَتَوَقَّعُهُ، وتُحَطِّمُ بِجَدارَةٍ كُلَّ قِيَمِنا وأَعْرافِنا، وتَذْهَبُ بِمُجْتَمَعِنا إلى هاوِيَةٍ سَحيقَةٍ لا يَعْلَمُ مَداها إلَّا اللهُ.
أَعْلَمُ، وأَعِي جَيِّدًا، أَنَّ وَسائِلَ التَّواصُلِ الاجْتِماعِيِّ لَيْسَتِ المَسْؤُولَ الأَوْحَدَ عَنْ تَصاعُدِ العُنْفِ والجَريمَةِ والانْحِلالِ في مُجْتَمَعِنا، وأَنَّها قَدْ تَكُونُ وَسيلَةً كاشِفَةً أَزاحَتِ السِّتارَ، وسَلَّطَتِ الضَّوْءَ عَلَيْها، في رَأْيِ البَعْضِ.
لَكِنَّ المُدَقِّقَ المُنْصِفَ سَيَتَّفِقُ مَعي على أَنَّ هذِهِ الوَسائِلَ رَكيزَةٌ أَساسِيَّةٌ، وشَريكٌ فاعِلٌ في تِلْكَ الظّاهِرَةِ السَّوْداءِ، وتَقِفُ جَنْبًا إلى جَنْبٍ مَعَ سُوءِ الحالَةِ الاقْتِصادِيَّةِ، والاِكْتِئابِ المُجْتَمَعِيِّ، وضَعْفِ الوازِعِ الدِّينِيِّ، في شَحْنِ هذِهِ الظّاهِرَةِ وتَنْمِيَتِها.
وَلْنَنْظُرْ إلى بَيْتي وبَيْتِكَ، وإلى بُيُوتِنا جَميعًا، وقُلْ لي: كَمْ نَقْضي، أنا وأَنْتَ، وابْنُكَ وابْني، وزَوْجَتُكَ وزَوْجَتي، وابْنَتُكَ وابْنَتي، وأَطْفالُنا، أَمامَ تِلْكَ الشّاشاتِ الزَّرْقاءِ؟ وكَمْ مِنَ الوَقْتِ نُمْضيهِ مَعًا؟ صُدِمْتَ مِنَ النَّتيجَةِ، أَلَيْسَ كَذلِكَ؟
قُلْ لي: مَنْ يُوَجِّهُ؟ ومَنْ يُعَلِّمُ؟ ومَنْ يَزْرَعُ القِيَمَ، ويُعَلِّمُ أُسْلُوبَ الحَياةِ؟ مَنْ هُوَ؟ ما جِنْسِيَّتُهُ؟ وما مَيُولُهُ؟ وما هَدَفُهُ؟ ومَنْ رَقيبُهُ؟
مَنْ جَعَلَ الأَبْناءَ يَظُنُّونَ أَنَّ الحُرِّيَّةَ تَعْني التَّطاوُلَ على الآباءِ، وأَنَّ النِّقاشَ يَكُونُ نِدًّا بِنِدٍّ؟ مَنْ جَعَلَهُمْ يَشْعُرُونَ بِأَنَّهُمْ يَمْلِكُونَ مِنَ العِلْمِ والمَعْرِفَةِ والتَّجارِبِ ما يَجْعَلُهُمْ في غِنًى عَنْ نَصائِحِكَ وآرائِكَ القَديمَةِ، في نَظَرِهِمْ؟ مَنْ مَسْؤُولٌ عَنْ تَعَدُّدِ المُشْكِلاتِ، واتِّساعِ مَساحَةِ الاخْتِلافِ بَيْنَ الأَزْواجِ؟ ومَنْ مَسْؤُولٌ عَنْ انْتِشارِ مِئاتِ المَبادِئِ والعاداتِ الَّتي تَتَعارَضُ مَعَ مُعْتَقَداتِنا، قَبْلَ أَعْرافِنا وتَقاليدِنا وقِيَمِنا؟
نَعَمْ، نُكَرِّرُ أَنَّ وَسائِلَ التَّواصُلِ الاجْتِماعِيِّ لَيْسَتِ المَسْؤُولَ الوَحيدَ، وَأَنَّ لَها أَهَمِّيَّةً وَمَنافِعَ لا يُنْكِرُها أَحَدٌ، وَلَكِنَّ التَّجْرِبَةَ أَثْبَتَتْ أَنَّ أَضْرارَها، عِنْدَ سُوءِ الاسْتِخْدامِ وَغِيابِ التَّوْجِيهِ، قَدْ تَغْلِبُ مَنافِعَها.
أَيْنَ القُدْوَةُ؟ الأَبُ يَتَصَفَّحُ آلافَ المَشاهِدِ الَّتي تُظْهِرُ أَسْوَأَ صُوَرِ الآباءِ، مِنْ عُنْفٍ وَمادِّيَّةٍ وَإِهْمالٍ. وَالأُمُّ تَتَصَفَّحُ، ولا حَرَجَ، مَا تَعُجُّ بِهِ المِنَصّاتُ مِنْ مُحْتَوًى يَخْلِطُ بَيْنَ التَّرْفيهِ وَالاِبْتِذالِ. وَرَجُلُ الدِّينِ يَطالِعُ مَا تُظْهِرُهُ هذِهِ الوَسائِلُ مِنِ اخْتِلافاتٍ وَتَراشُقٍ وَمَعارِكَ. وَالمُعَلِّمُ، وَالأَخُ، وَالعَمُّ... كُلُّهُمْ تُقَدِّمُهُمْ بَعْضُ الصَّفَحاتِ مِنْ خِلالِ أَسْوَإِ النَّماذِجِ، وَتُرَكِّزُ، بِقَصْدٍ أَوْ بِحُكْمِ طَبيعَةِ خَوارِزْمِيّاتِها، عَلَى مَا يُثيرُ الجَدَلَ، حَتَّى يَبْدوَ الشَّاذُّ هُوَ الأَصْلُ، وَهُوَ لَيْسَ كَذلِكَ.
وَمِمَّا زادَ الطِّينَ بِلَّةً أَنَّ التَّكَسُّبَ مِنْ هذِهِ الوَسائِلِ أَصْبَحَ هَدَفًا لِكَثيرِينَ، فَصِرْنا نَرَى كُهُولًا وَأَطْفالًا، وَأَزْواجًا وَزَوْجاتٍ، يَتَّجِرُونَ بِتَدَنِّي الخُلُقِ وَالبَذاءَةِ، وَلا يُراعُونَ في مُجْتَمَعِهِمْ إِلًّا وَلا ذِمَّةً، وَلا يَمْلِكُونَ مِنَ الحَياءِ مِثْقالَ ذَرَّةٍ، فَباعُوا القِيَمَ وَالدِّينَ وَالأَخْلاقَ بِدُولاراتٍ زَهيدَةٍ، وَجَرَّتْ سُهُولَةُ الكَسْبِ كَثيرًا مِنْ أَبْنائِنا إِلَى الطَّريقِ ذاتِهِ.
أَيْنَ نَحْنُ؟ أَيْنَ المُؤَسَّساتُ المَنُوطُ بِها حِمايَةُ تُراثِ هذَا الشَّعْبِ، وَمُعْتَقَداتِهِ، وَأَعْرافِهِ، وَقِيَمِهِ؟ أَيْنَ مَدارِسُنا؟ أَيْنَ مَساجِدُنا وَكَنائِسُنا؟ أَيْنَ المُؤَسَّساتُ الثَّقافِيَّةُ وَالإِعْلامِيَّةُ؟ مَنْ يُساعِدُنا عَلَى أَنْ نَبْنِيَ بَيْنَ أَبْنائِنا وَبَيْنَ هذَا العَفَنِ الأَخْلاقِيِّ المُتَرَدِّي سَدًّا وَرَدْمًا يَحْفَظُ ما تَبَقَّى لَنا مِنْ قِيَمٍ وَمَبادِئَ وَأَعْرافٍ؟
كَاذِبٌ مَنْ يَقُولُ إِنَّهُ، وَحْدَهُ، أَوْ أَنَّ جِهَةً وَاحِدَةً، تَسْتَطِيعُ أَنْ تَقِفَ فِي وَجْهِ هذَا السَّيْلِ الجارِفِ مِنَ الانْهِيارِ الأَخْلاقِيِّ، الَّذِي يُغَذِّي الجَريمَةَ، وَيُنَمِّي العُنْفَ، وَيَرْعَى الفَسادَ.
وَماذا نَنْتَظِرُ، وَكُلُّ الأَرْقامِ وَالإِحْصائِيّاتِ وَالدِّراساتِ تُشِيرُ إِلَى ارْتِفاعِ مُعَدَّلاتِ العُنْفِ، وَالتَّحَرُّشِ، وَالجَريمَةِ، وَالطَّلاقِ، وَهُرُوبِ الأَبْناءِ، وَغَيْرِها مِنَ الظَّواهِرِ الَّتِي يَسْهُلُ أَنْ تُسْهِمَ وَسائِلُ التَّواصُلِ، عِنْدَ سُوءِ اسْتِخْدامِها، فِي تَفَاقُمِها؟
الشَّعْبُ المِصْرِيُّ، بِجُذورِهِ وَطَبيعَتِهِ وَفِطْرَتِهِ، شَعْبٌ مُتَدَيِّنٌ، مُسْلِمُوهُ وَمَسِيحِيُّوهُ، يَمْتَلِكُ رَصيدًا هائِلًا مِنَ الأَعْرافِ وَالتَّقاليدِ وَالقَواعِدِ الأَخْلاقِيَّةِ المُجْتَمَعِيَّةِ، جَعَلَهُ يُواجِهُ، عَلَى مَرِّ القُرُونِ، مُحاوَلاتٍ عِدَّةً لِتَغْييرِ هُوِيَّتِهِ، وَنَزْعِهِ مِنْ أُصُولِهِ وَأَعْرافِهِ وَمُعْتَقَداتِهِ، فَلَمْ تَنَلْ مِنْهُ، وَتَكَسَّرَتْ عَلَى صُخُورِ تَمَسُّكِهِ بِدِينِهِ، وَجُذورِهِ، وَقِيَمِهِ الأَخْلاقِيَّةِ وَالاجْتِماعِيَّةِ.
أَصْبَحَ لِزامًا عَلَيْنا اليَوْمَ أَنْ نَجْمَعَ كُلَّ قُوانا، وَنُوَحِّدَ جُهُودَنا، مِنْ أَجْلِ مُقاوَمَةِ هذِهِ الآفاتِ، وَإِبْعادِها عَنْ عُقُولِ أَبْنائِنا وَنُفُوسِهِمْ.
إِنَّ مُؤَسَّساتِ التَّرْبِيَةِ وَالتَّعْلِيمِ، وَالمُؤَسَّساتِ الثَّقافِيَّةِ، وَوِزارَةَ الأَوْقافِ، وَالأَزْهَرَ الشَّرِيفَ، وَالكَنِيسَةَ المِصْرِيَّةَ، جَميعُهَا مَدْعُوَّةٌ إِلَى المُشارَكَةِ وَالحِوارِ، لِخَلْقِ تَيَّارٍ تَوْعَوِيٍّ، ثَقافِيٍّ، دِينِيٍّ مُعْتَدِلٍ، يُواجِهُ هذَا الإِسْفافَ وَالتَّرَدِّيَ، وَيُعَزِّزُ القِيَمَ وَالانْتِماءَ، وَيُقَدِّمُ البَديلَ النَّافِعَ لِشَبابِنا وَأَطْفالِنا.
وَنَحْنُ، كَأُسَرٍ، عَلَيْنا جانِبٌ مِنَ المَسْؤُولِيَّةِ، بَلْ أَكْبَرُها، مَعَ هذِهِ الهَيْئاتِ وَالمُؤَسَّساتِ، فِي صُنْعِ القُدْوَةِ الصَّالِحَةِ لِأَبْنائِنا، وَغَرْسِ القِيَمِ وَالمَبادِئِ، وَتَعْزِيزِ الوَازِعِ الدِّينِيِّ وَالأَخْلاقِيِّ فِي نُفُوسِهِمْ.
وَلْنَبْدَأْ وَلَوْ بِيَوْمٍ وَاحِدٍ فِي الأُسْبُوعِ، ثُمَّ بِساعاتٍ مُحَدَّدَةٍ كُلَّ يَوْمٍ، نُغْلِقُ فِيها هذِهِ الشَّاشاتِ، وَنُعِيدُ لِلأُسْرَةِ لِقاءَها، وَحَديثَها، وَمَجْلِسَها، آباءً وَأَبْناءً، وَأَجْدادًا وَأَحْفادًا، لِنُعِيدَ فَتْحَ قَنَواتِ التَّواصُلِ مَعَ تُراثِنا، وَقِيَمِنا، وَأَعْرافِنا، وَأُصُولِنا، وَتَقاليدِنا.
فَلَعَلَّنا نُنْقِذُ ما تَبَقَّى، وَنَقِفُ فِي وَجْهِ تِلْكَ الأَفْكارِ المَسْمُومَةِ، وَالظَّواهِرِ الدَّخِيلَةِ عَلَى مُجْتَمَعِنا، الَّتِي جَعَلَتْ مِنْ وَسائِلِ التَّواصُلِ، عِنْدَ سُوءِ اسْتِخْدامِها، سَيْلًا مِنَ الانْهِيارِ المُتَواصِلِ.


